استعارة من منعم الفقير:

أسدلتُ الستارة
أحكمتُ
إغلاق النافذة
أشعلتُ
شمعة
أعددت الطاولة
مرحبا
وداعيا إلى الحديث
نفسي

الثلاثاء، 12 أغسطس 2008

رسالة إلى الوجه المسافر....إهداء إلى محمود درويش الله يرحمه

’وغزة لا تبيع البرتقال لأنه دمها المعلب‘
محمود درويش
أخي الحبيب غسّان:
هذه هي المرة الأولى التي أكتب لك فيها رسالة أخطّها بقلمي على أوراق نزعتها من دفتر اللغة العربية، بعدما تيقنت أني لن استخدمه مرة أخرى؛ لكنني ـ والله ـ فكرتُ في ذلك كثيرا، ياغسان وأنا أحاول أن أرسم صورة لملامح وجهك، وزن جسمك، شكل عضلاتكَ وحجم انتفاخها، حركاتكَ وسكناتك ولزماتك الكلامية. أعلمك مبدئيا بأنه ستكون هناك رسائل ورسائل مكتوبة على أوراق انتزعتها من دفاتر مدرستي التي أغلقت أبوابها في وجوهنا.
حين غادرتنا وابن عمنا تميم، كنت صغيرا وكنت أنا أصغر من أن أعي سبب انتحاب أمي حتى الإغماء، وتقطيب حواجب أخواتي البنات الكبيرات، والدموع الساخنة الناضجة في عيونهن؛ لكنني حزنت للغاية لأن تميم الشاب الودود ـ الذي كان يعلّقني بساقه الطويلة، ويؤرجحني حتى يتقلص بطني من فرط الضحك، وأكاد أسقط من صهوة تلك الساق الفتية إلى الأرض الخشنة ـ سيغادرنا، وستغادرني بعده ضحكتي الحلوة. قالوا بأنه لن يعود، وقد صدقتهم من فوري؛ ولكني وعندما كبرت قليلا ودون أن أعدم وعيي الطفولي المختل، كنت أمارس انتظارك الكئيب!
لابد أن يد الله قد سوّتك جميلا. أمي تقول: ’غسان له أنف أبيه واستدارة وجهه، وكان أبوك جميلا‘. الآن عرفت يا أخي كم كان أبونا كذلك! جميلا لأن أمي كانت تستقبل بوله أسيتوني الرائحة ـ الذي كان يوقظني عطره من نومي لأبكيه ـ المنسال بين ساقيه المشلولتين إلى الوعاء البلاستيكي، المثقلة جدرانه بالأملاح اليابسة، بانحناءة هادئة أظنها اليوم انحناءة مشبّعة بالود والتقدير. أتعلم يا غسّان أن كلنا لنا أنفه وذقنه وعينيه، وللناس كلها هنا عيون تشبه عينيه بلون الزيتون تترقرق فيها أمواج هادئة شفاّفة، هل يكون قبيحا من له مثل هذي العيون التي يبحر فيها الأسى يا غسّان؟! إني أيضا أحمل جمال قلبه في قلبي (لا أقصد نعت قلبي بالجمال، فأنا لست كذلك. أنا أقصد ما تقصفني به ذاكرتي بخصوصه. آآآه يا أبي، أولا تدري ماذا يفعل بنا هذا الشيء؟! هذا الشيء الرهيف في التوقيت المضبوط الرهيف في الظرف الرهيف..في القلب الرهيف؟ أصبحت صورتك تأتيني دوما، وأنت جالس معنا إلى صحيفة الطعام الوحيدة على الأرض، ترتدي جلبابك الرمادي الواسع، ظهرك محنيّ قليلا، وكتفاك تنضمّان بارتجافة خفيفة لتظلّلا صدرك؛ وكأنهما شراع يحنو عليه بالرعاية والأمان، وكأنك أيضا شراع تحنو علينا ـ نحن الجالسين حولك ـ بالرعاية والأمان. نتشارك جميعا في ثلثيّ الصحن الكبير حتى تسحب يديْك وتكورهما في حجرك، ونشاط أيادينا في الصحن يقابله بنفس النهم نشاط عينيك في محجريهما في أيادينا الصغار في الطبق.. نشاط يحاول أن يطمس خجل الجوع بابتسامة رضا. حتى إذا كفّت رقعات صحن الصاج الراقص تحت أصابعنا على الأرض العريانة، جمعت يداك لقيمات رفضتها شهيتنا، وازدرادك لها بعد أن نظّفت بها الصحن يشي بك عندي، ولا يترك شيئا لدناءة الشيطان بعدك، وياللخسارة أني أمضيت وقتا طويلا لأرسم تفاصيل صورتك، ولتطرح تلك الوشاية بك عندي هذي الرهافة لك في قلبي.
صحوتُ من نومي اليوم يهدّني إرهاق شديد كأني كنت اصطرع مع ظلّي! ربما أكون كذلك حقا. وعلى عكسك تماما، فأنت تعرف مع من تصطرع. وربما ينبغي علي أن أعلمك أني بدأت اكتب إليك في ذات الوقت الذي كففت فيه عن إطلاق حنقي عليك! لاحظ أن حدة اللهجة التي تميز هذا الخطاب ليست حنقا عليك بالتأكيد وإنما هي سمة لكل الإناث اللائي بلا رجال. في صباحات كثر ولت، وقبل ذهابي للمدرسة مباشرة، أسأل طيفك المقيم في دارنا: ’لما تركتنا يا غسان، أأنت المنذور لنبوّة تبحث عنها في مكان لا نعرفه ونحن هنا ـ إناث الدارـ دمى يحركها جوع بطونها الغاضبة؟ ولماذا قمت بتوزيع الأدوار بعد موت أبي مباشرة ؟‘ وكأنك لا تعرف أن الدور خاليةٌ من مهمّات النساء، ونطف الرجال، وكأن روح أبي قد دبت فيك أنت! أو استأمنك عليها أو تركها عندك! يا إلهي أستغفرك.
تركتنا يا غسان لنكون ـ أمي وأنا وأخواتك ـ بلا رائحة متعبة لعرق رجل يعول جوع أجسادنا، بلا عضلات تحمل هموم أيامنا، بلا أحضان رجولية تتلقف ضعفنا لتقتله في مهده، بلا رجل يغار على ضفائرنا الهاربة باتجاه الضوء والهواء، بلا رجل يُشرب الفتيات الصغيرات رجولته ليتمكنّ من الشهيق والزفير على هذه الأرض. هل تركتنا حقا للتناسل الخصيب الطاهر؟ هل حملتنا وحدنا مسئولية إنتاج ديدان الأرض كما يقول عضو الكنيست الإسرائيلي حزان؟
حين مزقني حنقي عليك، قصصت ضفائري، وارتديت بذلة كاكية متهرئة كانت لأبي، وصرخت في وجه أمي: ’سأرحل كما رحل غسان ومن قبله أبي. ’لقد مللتُ البكاء، وقد اخشنّت كفّاي بما فيه الكفاية!‘ بكت أمي كثيرًا؛ لكني علمت قلبي كيف يقسو. انتحبتْ ذلك النحيب الذي أمقته، وقلبي يقسو. جثت على ركبتيها أمامي، وقلبي يقسو. قبّلت قدمي، وقلبي يقسو. أغشي عليها وسقطت بجانب جديلتيَّ المُجْتَثتيْن على الأرض. لم أكن أريدها تمارس كل ذلك البكاء المقيت! مازالت أمي قربانا لقسوة قلوبنا كلنا يا غسان، أقول هذا رغم عدولي عن فكرتي الانتقامية التي لم تكن تستهدف سوي سحق قدرتها العجيبة على كل هذا البكاء. أخواتك يقلن لي ليتك خلقت ذكرا! ليس لأني لم أبك عليك يوما، كما لم أبك على أبي، بل لاعتقادهن أن ذلك سيشقيني أكثر جزاء ما سببته لأمي من آلام. أتعتقد أنت ـ باعتبارك ذكرا ـ هذا؟ أوليس في أمنيتهن لي غباوة؟ إني أرى أن الراحلين عنا..الراحلين إلى الأبد ـ لابسين الثياب المزركشة، ومتعطرين حتى أعمق ثنايا الجلد ـ يلقون بالنكات الطازجة عن انتخابات السلطة الفلسطينية، ويخرجون ألسنتهم للـ...للمقيمين هاهنا. "موتوا بجحيمكم..موتوا ألف مرة!"
أنا الآن لا يشغلني انتظارك ـ هن يعتبرنها خصيصة رجولية تضاف إلى صفاتي! ـ لأني قد ابتدعت نضالي.. أناضل من أجل نفسي. نفسي. حتى تبقى عيوننا لا تغمض أجفانها، ولا يقربها رمد، ولا يتراكم شمع الكسل في آذاننا. هذه كلمات أبي، هل تذكرها؟ إنني حقا أجبن من مسئولية ارتداء حلة أبي الكاكية القديمة، لذا تمهل قبل أن يقلقك ترديدي لهذه الكلمات النارية. لقد فهمتها كما أريد. سأحكي لك حكايتي مع النضال! أنا لست أقل منك كفاءة بأية حال من الأحوال! منذ حوالي الشهرين، طلبت منا معلمة الفصل التعبير بالرسم عن بهجة الدنيا لاستقبال فصل الربيع. رسمت الفتيات أشجارا مورقة، وزهورا بديعة الألوان، وسماء بلا دخان، وبيوتا غير متهدمة، وبساطا سهليا أخضر يمتد إلى المدى. لابد أنهم قد رأوا تلك الأشياء في أفلام الرسوم المتحركة! أما أنا يا أخي العزيز، فقد رسمتك مرتكزا على إحدى ركبتيك، ثانيا الأخرى بثبات على الأرض، قابضا على بندقية أبي. كنت تنظر نحو المدى، رغم رؤيتك الواضحة لأعدائك من حولك، ولم تكن ملامح الثائر الصلب تغطي وجهك، بل كانت ملامح المؤمِّل الطموح. كانت ملامح خضراء جدا.
أخت الربيع:
زهوة.

ليست هناك تعليقات:

قصة أذيعت في البي بي سي لندن منذ سنوات بعنوان تيك تاك

تيك تاك’ أخافك وأطلب منك أن تعاهدني على ألا تشتري بحبي ثمنًا قليلا. تركب الدهشة ملامحك، وتقول: ’آثمٌ من يهجر الماء والخضرة والوجه الحسن.‘ تروي نبتة غروري، فأقول: ’بل الماء والطين والعقل الحسن‘. تضحك كثيرًا، وتضع كفك على كفي التي توسدت الأرض... ريفنا مغبرٌ وقاسٍ؛ لكنه مثير. الشجرات الباسقات الخضر غامقات الاخضرار تنبئني بأسماء هؤلاء الذين جلسوا قبلنا في هذا المكان. ربما كان الوحيد الذي ما زال محتفظًا بشئٍ من ملامح خميرته الأولى، فهذه القرية باستثنائه أضحت شيئًا بهتت ملامح ميلاده، فلا هي من تجليات حسن فتحي، ولا هي مدينة المال والأزرار، ولا هي قريتنا التي هجرناها بما كان فيها: أكوام الطين المتجاورة التي تناثرت في شبابيكها الصغيرة أو لم تتناثر مصابيح الزيت، واحتضنتها الصحراوات الخضراء وكثير من الحنان. إننا قاهريان مقهوران حقًا. نبدو بما نرتديه من جينز وقميصين بلون الفلوروسين كصاروخين في سماء جدارية في أحد معابد الفراعنة. أشعر فجأة بضعطات رقيقة على بطن كفي تأتي من أسفل! تلطمني الدهشة. أحرك كفي تحت ثقل كفك. تسحبها وأنت غاضبٌ كطفل. أعود فأضعها تحت كفي على أرض الحقل، وأسالك: ’هل تشعر بما أشعر به؟‘ تتهمني بالجنون، وتصيح فيّ: ’إنه غالبًا نبض إبهامي الذي أزحته توًا بعيدًا عن كفك!‘ أنفي ذلك بشدة، فيصبح غضبك كرتاج بابٍ من الصلب يستعصي عليّ فتحه. تهب وواقفًا، ’هيا بنا‘. أمعن في ضغط كفي على كتل الطين البُنِّية. أشعر بومضات منتظمة، متتابعة ترتد على بطن كفي. أدعوك للتجربة. تقول: ’أُف!‘ وتستدير عائدًا. أركع على الأرض. ألصق أذني بكتلة طين كبيرة. يغزو الإيقاع المنتظم أذني تك تك تيك تاك...تيك تاك..تيك تاك!